اسد حيدر
19
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
عنه . وأوثر في ختام هذه الكلمة أن أنوه بما كتبه المؤلف عن محمد بن إسماعيل البخاري وكتابه في الحديث . وقد لاحظت في تعليق المؤلف على « البخاري » جانبين : جانب موضوعي وهو الذي تناول فيه المؤلف الأحاديث الموجودة في هذا الصحيح كما تناول أسانيدها ورجالها . وجانب اجتهادي تحدث فيه المؤلف عن انصراف البخاري عن الأحاديث التي تروى في فضائل بيت النبوة . أما الجانب الأول فنحن فيه على اتفاق تام ، ذلك لأن أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم لم تدون في حياته إلا ما روي عن صحيفة عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، ومن ثم لا بد من أن يخضع الحديث سندا ومتنا للنقد النزيه ، فما وافق منه القرآن الكريم وروح السيرة النبوية العطرة جزمنا بصحته ، وما كان بعيدا عنهما صار موضع نظر ، وهنا يأتي - فقط - الخلاف بين نقاد الحديث . وأما الجانب الثاني - وهو الذي يتلخص - ظاهرا - في إعراض البخاري عن الأحاديث المروية عن أئمة آل بيت النبوة . فإني أرى فيه رأيا لا ألزم فيه أخي المؤلف . ذلك أن هذا الإعراض عن أحاديث هؤلاء السادة هو من أفعال القلوب التي لا تستطيع الحكم عليها إلا بعد الاستقصاء التام ، وكما نستطيع أن نقول : إن إعراضه عن الأحاديث المروية عن الأئمة كان آتيا بدافع عدم التوثيق ، نستطيع - بلا شك ولا ريب - أن نقول : إنه امتنع عن روايتها خوفا وفرقا من حكام العباسيين الذين كانوا يناصبون آل محمد العداء . وهو يعلم أنه لو روى عنهم لأهمل كتابه في حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، أو لقضي عليه وقبر وهو في مهده . فإذا كانت الشجاعة الأدبية قد تخطت الإمام البخاري فيما يتعلق بأحاديث فضائل آل محمد فإن ذلك لا يقضي على ما بذله من جهد ولا أقل من أن يقال في هذا الصدد : إنه اجتهد وأخطأ ، ولعل إهماله لهذا الجانب من الأحاديث كان درءا لما يخشاه من سطوة الحاكم ، فاكتفى من ذلك أن يقر بقلبه دون المشافهة باللسان والتسجيل بالقلم وذلك ما يطابق أضعف الإيمان . هذا إن ثبت خوفه من حكام ذلك العصر - وإلا فإننا لا نستبعد أنه حاول الرواية عن رجال البيت النبوي واستعصى ذلك عليه بسبب ما كان يضربه الحكام حول أفراد هذا البيت من سياج منيع ليحولوا بينهم وبين اتصال طلاب العلم بهم ، ونحن نعرف مدى اضطهاد الحكام لهم وحقدهم عليهم .